ابن أبي الحديد

111

شرح نهج البلاغة

ببطان ( 1 ) ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال له ولقيس بن محرث ما أخرجكما قال : كنت ابن أختنا وجارنا ، وخرجنا مع قومنا للغنيمة ، فقال صلى الله عليه وآله لا يخرجن معنا رجل ليس على ديننا ، فقال خبيب لقد علم قومي أنى عظيم الغناء في الحرب ، شديد النكاية ، فأقاتل معك للغنيمة ولا أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا ولكن أسلم ثم قاتل ، فلما كان بالروحاء جاء فقال يا رسول الله ، أسلمت لرب العالمين ، وشهدت أنك رسول الله ، فسر بذلك ، وقال امضه ، فكان عظيم الغناء في بدر وفى غير بدر وأما قيس بن الحارث فأبى أن يسلم ، فرجع إلى المدينة ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله من بدر أسلم وشهد أحدا فقتل . قال الواقدي : ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله صام يوما أو يومين ، ثم نادى مناديه يا معشر العصاة ، انى مفطر ، فأفطروا ، وذلك أنه قد كان قال : لهم قبل ذلك أفطروا فلم يفعلوا ( 2 ) . قلت هذا هو سر النبوة وخاصيتها ، إذا تأمل المتأملون ذلك ، وهو أن يبلغ بهم حبه وطاعته وقبول قوله على أن يكلفهم ما يشق عليهم فيمتثلوه امتثالا صادرا عن حب شديد وحرص عظيم على الطاعة ، حتى إنه لينسخه عنهم ويسقط وجوبه عليهم ، فيكرهون ذلك ولا يسقطونه عن أنفسهم ، إلا بعد الانكار التام ، وهذا أحسن من المعجزات الخارقة للعادات ، بل هذا بعينه معجزة خارقة للعادة أقوى وآكد من شق البحر وقلب العصا حية . قال الواقدي : ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى إذا كان دوين بدر ، أتاه الخبر بمسير قريش ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بمسيرهم ، واستشار الناس

--> ( 1 ) البطان : حزام القتب . ( 2 ) الواقدي 40 ، 41 .